أحمد زكي صفوت
60
جمهرة رسائل العرب في عصور العربية الزاهرة
حكمهم ، وسواء قتل نفسه بيده ، أو أسلمها إلى عدوه ، وخيّر فيها من لا يبرد غليله إلا بشرب دمه ، فأحسبوا قتله ليس بكفر ، وإباحة المدينة وهتك الحرمة ليس بحجّة ، كيف تقولون في رمى الكعبة ، وهدم البيت الحرام ، وقبلة المسلمين ؟ فإن قلتم ليس ذلك أرادوا ، بل إنما أرادوا المتحرّز به « 1 » ، والمتحصّن بحيطانه ، أفما كان في حق البيت وحريمه أن يحصروه فيه ، إلى أن يعطى بيده ؟ وأي شئ بقي من رجل قد أخذت عليه الأرض إلا موضع قدمه ؟ واحسبوا ما رووا عليه من الأشعار ، التي قولها شرك ، والتمثّل بها كفر ، شيئا مصنوعا ، كيف تصنع بنقر القضيب بين ثنيّتى الحسين « 2 » عليه السلام ، وحمل بنات رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم حواسر على الأقتاب العارية « 3 » ، والإبل الصعاب ، والكشف عن عورة علي بن الحسين عند الشك في بلوغه : على أنهم إن وجدوه وقد أنبت « 4 » قتلوه ، وإن لم يكن أنبت حملوه ، كما يصنع
--> ( 1 ) هو عبد اللّه بن الزبير . ( 2 ) وذلك أنه لما وجه عبيد اللّه بن زياد آل الحسين عليه السلام إلى يزيد بدمشق ، ومثلوا بين يديه ، أمر برأس الحسين فأبرز في طست ، فجعل ينكت ثناياه بقضيب في يده ، ويقول : * ليت أشياخي ببدر شهدوا . . * الأبيات . ( 3 ) حواسر . جمع حاسر ، وكل مكشوفة الرأس والذراعين حاسر . الأقتاب : جمع قتب بالتحريك ، وهو الإكاف الصغير على قدر سنام البعير . ( 4 ) أنبت الغلام : نبتت عانته ، جاء في تاريخ الطبري 6 : 263 . « أنه لما عرض علي بن الحسين على عبيد اللّه بن زياد ، قال له : ما اسمك ؟ قال : أنا علي بن الحسين قال : أو لم يقتل اللّه علي بن الحسين ؟ فسكت ، فقال له ابن زياد : ما لك لا تتكلم ؟ قال : قد كان لي أخ يقال له أيضا على فقتله الناس ، قال : إن اللّه قد قتله ، فسكت على ؛ فقال له : مالك لا تتكلم ؟ قال : « اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها » « وَما كانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ » قال : أنت واللّه منهم ويحك ! انظروا هل أدرك ؟ واللّه إني لأحسبه رجلا ، فكشف عنه مري بن معاذ الأحمرى ، فقال : نعم قد أدرك ، فقال : اقتله ، فقال علي بن الحسين : من توكل بهؤلاء النسوة ؟ وتعلقت به زينب عمته ، فقالت : يا بن زياد . حسبك منا ، أما رويت من دمائنا ؟ وهل أبقيت منا أحدا ؟ فأعتقته فقالت . أسألك باللّه إن كنت مؤمنا إن قتلته لما قتلتني معه ، وناداه على فقال : يا بن زياد ، إن كانت بينك وبينهم قرابة فابعث معهن رجلا تقيا يصحبهن يصحبة الإسلام ، فنظر إليها ساعة ، ثم نظر إلى القوم ، فقال : عجبا للرحم ! واللّه إني لأظنها ودت لو أنى قتلته أنى قتلتها معه ، دعوا الغلام ، انطلق مع نسائك » .